RSS

خطبة جمعة (اتباع الهوى)

02 أغسطس

اتباع الهوى
الحمد لله رب العالمين.. تلألأت بأجلّ المحامد أسماؤه.. وتوالت إلينا هباتُهُ وآلاؤه .. وانهمرت علينا بركاتُه خيراتُه.. أشهد أن لا إله إلا الله.. وحده لا شريكَ له.. وأشهد أن محمدًا ﷺ عبده ورسوله خير العالمين..  اللهم احشرنا في زمرته يا أكرم الأكرمين.. واجعلنا من أتباع هديه يا أرحم الراحمين ..
أما بعد .. فاتقوا الله عباد الله، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾..
أيها الأحبة.. الناس في هذه الدنيا على صِنفين اثنين.. مؤمنين وفاسقين، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾.. مسلمين ومُجرمين.. ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ مُؤمنين وكافرين، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾..
وهؤلاء يسيرون إلى نـهايتين.. قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ
وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾.. والأمر ليس يومًا أو يومين، قال تعالى: ﴿خَالِدِين فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾..
أيها الناس.. لقد بَيّنَ اللهُ تعالى لنا أن طريق الجحيم خُطوتان فقط، فقال جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾..
الخُطوة الأولى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾.. والطُغيان تَجاوُز الحدّ في ظُلم النفس.. وفي ظُلم الناس.. ونحن نَظُنّ أن الطاغية هو فرعون.. أو أبو جهل.. أو أمثالهما فقط..
والحقيقة أن الناس يُخطئون.. فَـ (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)( 1).. لكنَّ الطُغاة من تجاوزا الحدود.. وتمادوا.. وقالوا لربهم الذي خلقهم: لا.. فَمَنَ أمَرَهُ الله تعالى على سبيل المثال بقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فقال لا.. سأقتُلها.. فهو طاغية.. ومن سمع قول اللهِ تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ وقال -حتى ولو في نفسه-: لا.. لن أعطيهم فهو طاغية، والذي يُجاهر بالإفطار في رمضان غير مُكترثٍ فهو طاغية.. والذي يسبّ الدين أو الرّب جهارًا نهارًا.. فهو طاغية.. ومماطلة العمال في أُجورهم والورثة في أموالهم والموظفين في حُقوقهم.. ظُلمٌ وطُغيان.. وقِس على هذا كُلّ من تجاوز الحدود..
والخُطوة الثانية إلى الجحيم: ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.. وهذه أخطرُ من الأولى.. أن تُفَضّل متاع الدُنيا الزائل على الآخرة الباقية من أكبر المصائب.. دونم أرض.. سيارة.. منصب.. مبلغ من المال.. كلمات ثناء من بعض المسؤولين.. أو غيرها.. تُفَضّلها على رضا الله.. على حُكم الله.. على شرع الله.. قال تعالى واصفًا اليهود: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ   أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.. ويقول جَلّ وعلا: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.. فيا من يُخاصم أخاه أو أختَه أو قريبَه أو جارَه لأجل دونم أرض.. سوف تتركه وتموت.. ومَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى.. يا من يترك الصلاة لأجل دراهم معدودة أو عُذرٍ واهٍ تافه كالذي تركَ صلاة الجمعة، وعُذرُهُ (أنا بشتغل عند اليهود وبقدرش أعَطّل).. اعلم أن مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى.. يا مَن يَغُشّ بضاعته لأجل ربح فانٍ.. مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى.. يا مَن تَتَمَسّك بقوانين وَضَعَها البشر تُخالف شرع الله.. مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى..
﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾..
أيها الناس.. في المُقابل الطريقُ إلى الجنة.. أي إلى رضوان الله.. خُطوتان أيضًا.. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾..
الخُطوة الأولى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾.. خاف من الوقوف بين يدي الله إذا ظَلَمَ الناس.. خاف من الوقوف بين يدي الله إذا أكلَ أموال الناس.. والخشية من الله من علامات الإيمان.. وقد ذكر الله ذلك في أكثر من عشر آيات في القرآن الكريم.. منها قولُهُ تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وقوله جل وعلا: ﴿ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.. بل أمر الله بذلكَ فقال تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾..
والخُطوة الثانية إلى الجنة: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾.. والهوى هو ما تُريدُهُ النفس وما تهواه.. فَمَن أراد الجنة قَهَرَ الهوى وخالفه.. فإبراهيم عليه السلام قَهَر الهوى عندما جاءَهُ أمرُ ربِّه بِذَبح ابنه.. وابنه قَهر الهوى بسلام (افعل ما تُؤمر)..
ويوسف عليه السلام قَهَر الهوى بسلاح (معاذ الله) عند قول نساء علية القوم له: هَيتِ لك.. لكن سلاحه أقوى..
وهذا مُحمد ﷺ قَهَر الهوى .. بل عَلّم الناس كيف يقهرونه.. عندما اختار أن يكون عبدًا نبيًا على أن يكون مَلِكًا نبيًا..
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾..
أيها الناس.. لقد نهى اللهُ تعالى أنبياءَهُ ومن تَبِعَهُم عن اتباع هوى أنفُسهم أو أهواء غيرهم وخاصة أهل الكتاب، لأن الذين يتبعون الأهواء ضالون، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ﴾..
ولأنهم مُكَذّبون، قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾..
ولأن قُلوبُهُم غافلةٌ، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾..
ولأنهم ظالمون، ولا ينصُرهم الله، قال تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾..
بل وَصَفَهُم الله تعالى بأنهم عَبَدَة لأهوائهم، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ وعاقبهم رَبّهم بأربع عُقوبات: قال تعالى” ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾..
لكن، كيف يَتَّبع الإنسان هواه؟ وهل من مَخرج من هذه الـمُصيبة؟ هذا ما سَنُحاول الإجابة عليه بعد جلسة الاستراحة.. أقول قولي هذا..

الخطبة الثانية: الحمد لله..
أيها الناس.. يَقَعُ الإنسانُ في اتباع الهوى المذموم إذا هو فَضّلَ ما يُريدهُ وما يهواهُ وما يُحبّهُ على ما يُريدهُ وما يُحبّه الله جل وعلا.. وفي الأثر: (ما عُبدَ تحت السماء إلهٌ أبغضُ إلى الله من الهوى)( 2)، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾..
فعلى سبيل المثال لا الحصر، الذي يشرب الخمر وهو يعلم أنّ الله تعالى رَبَّهُ حَرّمه، بل جَعَلَهُ رجسٌ نجِسٌ وَمَنَعَ حتى الاقتراب منه؛ فقد اتخذ إلههُ هواه، لأنه فَضّل ما يُريدهُ هو على ما أمر به ربُّه تبارك وتعالى..
والذي يَجُورُ في الحكم بين الناس، ولا يحكم بالعدل لأي سبب كان.. وهو يعلم أن الله لا يقبل الجَور.. فقد اتخذ إلههُ هواه، لأنه فَضّل ما يُريدهُ هو على ما أمر به ربُّه تبارك وتعالى..
والتي تلبسُ ما يَشِفّ أو يصف أو يكشف عن عورتها، وهي تعلم أن الله رَبَّها أمر بسترها، وأنه لا يرضى هذا اللباس.. فقد اتخذت إلهها هواها، لأنها فَضّلت ما تُريدهُ هي على ما أمر به ربُّها تبارك وتعالى..
أيها الناس.. كيف ننجو من اتباع الهوى؟ في الحقيقة هُناكَ أُمورٌ تُساعد الإنسان في التَّغَلُّب على هواه.. منها:
أولاً: أن يَعلم علم يقين أن ما عند الله تعالى خير وأبقى، وأن من تَرَكَ شيئًا من أجل الله عَوَّضهُ الله تعالى خيرٌ منه.. قال تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.. فَلَو عَلِمَ صاحبُ الأرض الذي منع بنتهُ أو أخته من ميراثها أن ما عند الله خيرٌ.. ما مَنَعَها..
ثانيًا: أن يعلم أنه إذا خالف أمر الله، فإن عذاب الله شديد.. وقد وَعَدَهُ النار أشَدّ الوعيد.. قال تعالى: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاقٍ﴾.. فَلَو عَلِموا ذلك ما خالفوا أمر ربهم الجبار جل وعلا..
ثالثًا: الاستجابة لأوامر الله جل وعلا ورسوله ﷺ.. قال الله تعالى عن الكُفّار: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾.. فإذا سمعتَ من الله أو من رسول الله أمرًا فقُل: سمعنا وأطعنا.. فَلَو استجاب من سمع قوله ﷺ: (لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنه)( 3) ما شربها أحدٌ ولا باعَهَا..
رابعًا: مُصاحبة أهل الخير وتَركُ مُصاحبة أهل الأهواء، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ   هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾..
وأخيرًا.. أيها الحبيب تَوَجّه إلى الله.. وادعُوه أن يحفظكَ وأن يُبعد عنكَ مُضِلات الأهواء.. في كُلّ صلاة وفي أوقات استجابة الدُّعاء..
اللهم احفظنا من الهوى واتّباعه.. اللهم ابعد عنا الفتن والشهوات والشبهات..
**************
(1) رواه الترمذي، وصححه الألباني في المشكاة 3139.
(2) أخرجه الطبراني في الكبير، وذكره القرطبي في تفسير سورة الجاثية آية 23 ، وقال العراقي في تخريج الإحياء: إسناده ضعيف.
(3) حديث رقم: 5091 في صحيح الجامع.

About these ads
 
أضف تعليقا

Posted by على أغسطس 2, 2012 in Uncategorized

 

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

 
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: